الرباط ـ شهدت الدورة الـ18 للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا تتويج الفيلم المغربي “404.01” بجائزة الضفة الأخرى، كما حاز أيضاً جائزة الجمهور الشبابي الخاصة بالفيلم الطويل، ليؤكد بذلك قدرته على صناعة افلام تحتوي قضايا معاصرة خيالية والانفتاح على ذائقة المتفرج. ويبرز هذا التتويج مكانة الفيلم في المشهد السينمائي المغربي الخاص بنوع الخيال العلمي، خاصة أنه يمثل تجربة نوعية في نوع هذه الأفلام في السينما المغربية.
خاص المخرج المغربي يونس الركاب مغامرة سينمائية جديدة في نوع سينما الخيال العلمي عبر فيلمه المعنون بـ”404.01″، والذي يتبع فيه أسلوبا أقرب إلى السينما الأوروبية عبر حكاية يوظفها لانتقاد القطاع الصحي بالمغرب في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، واختلاف التكامل بين الأجيال في الفن السابع.
تدور أحداث الفيلم حول موضوعات الهوية والتكنولوجيا والانتماء في سياق معاصر، وبأسلوب يجمع بين التشويق والإثارة، أبدع يونس الركاب في تقديم رؤية سينمائية تمزج بين السرد الواقعي والخيال، وهذا جذب انتباه الجمهور الشبابي في سينما ملاكي بسلا طوال مدة عرض الفيلم البالغة 100 دقيقة، وهو فيلم من سيناريو محمد حافيظي وبطولة حسناء مومني وعبدالنبي البنيوي.
ويبرز “404.01” معالجة مختلفة لقصة خيال علمي نادرة في السينما المغربية، كإضافة على مستوى الكتابة والطرح، إذ نجح في طرح أفكار معقدة تتعلق بالزمن والمستقبل والقدرة على التحكم في المصير، وهو ما يظهر من خلال حبكة تثير التوتر والقلق؛ إذ تتلقى البطلة أوامر غامضة من المستقبل لتواجه أحداثًا غير متوقعة، وهذا الطرح يبرز توجها فلسفيا يتعلق بتشابك الحاضر والمستقبل، وتبعات اتخاذ قرارات مصيرية بناءً على معرفة مسبقة بما سيحدث.
ويمزج السيناريو بين الواقعية والخيال بطريقة غامضة خاصة عندما يتم تصوير البطلة في مهنة حساسة؛ فهي طبيبة جراحة، جعل انتقالها إلى عالم الخيال العلمي أكثر تأثيرا، فتقديم المستقبل عبر موجات صوتية هو ابتكار درامي معروف حدث في أفلام كثيرة لكنه يسمح للسيناريو بالبقاء في نطاق الخيال العلمي دون اللجوء إلى المؤثرات التقنية المفرطة، وهذا الاقتصاد في الوسائل التكنولوجية يعبر عن حنكة في الكتابة، كون السيناريو بعتمد بشكل أكبر على بناء العوامل النفسية بدلا من الخيال البصري المبهر.
ويتبع الايقاع الزمني أسلوبًا تصاعديًا في الأحداث، إذ تتزايد التحديات التي تواجه البطلة تدريجيًا وصولا إلى ذروة تورطها في جريمة قتل طفل، وهذه الحبكة المتشابكة تضيف إلى القصة بعدا نفسيا عميقا، وتسمح للمشاهد بالتفاعل مع الصراع الداخلي للشخصية.
وتتجنب المعالجة السبنناىية هنا الحلول السهلة أو المباشرة، التي تزيد من تعقيد الشخصيات والأحداث ويشحن شعور المشاهد بالترقب، ويترك مساحة للتأويل والشك، كما يؤجج الغموض ويعمق أبعاد الحبكة ويبرز رؤية متقدمة في كتابة السيناريو، لانه لا يقدم المستقبل كحقيقة ثابتة، وإنما كإمكانية تتغير بناءً على أفعال الشخصيات.
ويبرز أداء حسناء المومني في فيلم “404.01” تطورًا في تجسيد الشخصيات المركبة والمعقدة، خصوصًا في دورها كطبيبة جراحة تُجبر على التعامل مع أوامر قادمة من المستقبل، وجسدت الصراع الداخلي الذي تعيشه البطلة بين مهنتها وما يحدث من اضطرابات نفسية نتيجة للأحداث الخارقة للطبيعة.
كما تميزت بقدرتها على إظهار مشاعر القلق والتوتر والاضطراب النفسي سينمائيا بين أداء دور الطبيبة العقلانية والمرأة المتورطة في أحداث غير منطقية، خاصة في اللحظات التي تتعامل فيها مع التوتر الناتج عن سماع الأوامر الغامضة. لقد أظهرت تنوعًا في الأداء من خلال إظهار القوة والضعف في نفس الوقت، ما أضاف عمقًا للشخصية.
ونجح عبدالنبي البنيوي في تقديم شخصية معقدة تساعد في بناء الحبكة بعفوية وتميز بالقوة والثبات وأضاف إلى القصة لحظات من الغموض والتوتر، واستطاع أن يوازن بين الحضور القوي للشخصية والأبعاد النفسية التي تجعلها تبدو غير قابلة للتوقع وقدم دوره بطريقة تعتمد على الإيماءات والتفاعلات الهادئة التي تنقل أبعادًا عميقة من الغموض، كعنصرًا فعالًا في تعزيز الأجواء النفسية والدرامية للفيلم.
ويمكن القول إن كلا الممثلين ساهم في تقديم أداء يليق بتعقيدات الأحداث.
